الذهب! ملاذ الاستثمار الآمن

د.عماد ملكاوي

الين الياباني؟ أم الدولار؟ أم الذهب؟ ذلك هو السؤال الأهم بالنسبة لصناديق الاستثمار والشركات وكبار المستثمرين في الظروف الحالية . والجواب عليه قد يجنبهم ملايين الدولارات من الخسائر إن كان صحيحاً أو يوقعهم فيها بخلاف ذلك.

ما هو ملاذ الاستثمار الآمن وما هي مواصفاته وهل يبقى آمناً بشكل دائم ولماذا يتوجه المستثمرون أصلاً إلى عملةٍ أو سلعةٍ غير آمنة؟.
وحتى تكون الإجابة شافية وشاملة فسوف أتناول موضوع الملاذ الآمن كمفهوم نسبي يتغير بتأثير عدة عوامل منها طبيعة المستثمر نفسه وطبيعة السوق وحالة الاقتصاد.
أما طبيعة المستثمر فمن المعروف أنه يمكن تقسيم المستثمرين إلى نوعين:

  • المستثمر المغامر وهو الذي يبحث عن أكبر نسبة عائد حتى لو ارتفعت المخاطر.
  • والمستثمر المحافظ ويبحث عن أقل نسبة مخاطر حتى لو انخفض العائد.

لا شك أن المغامر يميل إلى المضاربة والاستثمارات قصيرة الأجل والتنقل بين أنواع الاستثمارت جرياً وراء العائد الأكبر والأسرع بناءً على تحليلاته وتوقعاته التي يجب أن لا تنحصر في سوقٍ واحد أو نوع محدد من أنواع الاستثمارات وهو لا يفكر بالملاذ الآمن إلا عند وقوع الأزمات الاقتصادية والمالية ذات الطابع العالمي والتي تتأثر بها كافة أنواع الاستثمارات في معظم الأسواق.

وبالنسبة إليه فإن الملاذ الآمن هو ذلك النوع من الاستثمار الذي يفترض أن تبقى قيمته ثابتة أو ترتفع في ظروف الاضطرابات والأزمات الاقتصادية والمالية بالإضافة إلى سهولة تسييله للانتقال إلى نوعٍ أو سوقٍ آخر، ومن أمثلة الملاذات الآمنة عنده العملات الجيدة مثل الين الياباني والفرنك السويسرى وأسهم الشركات العريقة والذهب.

أما المستثمر المحافظ فيميل بطبعه إلى الاستثمار طويل الأمد والأساس عنده أن الملاذ الآمن هو الاستثمار الخالي من المخاطر أو الذي تكون نسبة مخاطره قليلة في كل الأوقات بحيث يحافظ على قيمته عند وقوع الأزمات ولو استمرت لفترة طويلة وترتفع قيمته في الظروف الطبيعية وبالتالي فهو يميل إلى الاستثمار في الأصول كالعقار والأراضي وفي السلع الثمينة كالذهب وفي السندات الحكومية الأمريكية . مع ضرورة الانتباه إلى أن حساب العائد بالنسبة للاستثمارات طويلة الأمد يجب أن يراعي القيمة الزمنية للنقود حيث أن قيمة النقود تنخفض غالباً مع الزمن.
أما فيما يتعلق بطبيعة السوق فإن خصائص السوق تنعكس على تحديد ماهية الملاذ الآمن فيه. ففي سوق العملات يعتبر معظم المستثمرين أن تذبذب العملة يعبر عن مستوى مخاطرها والعملة المتذبذبة في الظروف الطبيعية لا يمكن أن تكون مستقرة في ظروف الأزمات.

كما أن قيمة العملة تعبر عن متانة الاقتصاد الذي تمثله وبما أن حالة الاقتصاد تتراوح بين النمو الموجب أو الركود أو النمو السالب. فإن العملة الآمنة هي عملة ذلك الاقتصاد الذي يحقق نسبة النمو المستهدفة في الظروف العادية وتقل عنها في الظروف الصعبة دون أن تنتقل إلى المنطقة السالبة. وهنا يبدو الين الياباني العملة الجديرة بوصف الملاذ الآمن ذلك أن مقدار التذبذب خلال ما يزيد عن عقدٍ من الزمن كان ضمن حدودٍ معقولة وفي غالب الأحيان كان بسبب الدولار الذي يقترن به في بورصة العملات على شكل الزوج المعروف USDJPY . أما عن اقتصاد اليابان الذي يدعم الين فهو بلا شك اقتصادٌ عملاق لذلك لم يستجب اليِن للسياسات النقدية اليابانية التي استهدفت ولا تزال تخفيض قيمته باستخدام أدواتها المختلفة مثل التيسير الكمي والوصول بمعدل الفائدة إلى المنطقة السالبة.

وفي المرتبة الثانية بعد الين يأتي الفرنك السويسري لأسباب مشابهة لما قلناه عن الاقتصاد الياباني. أما الدولار فإن المستثمرين حين ينظرون إليه كملاذ آمن فإنهم يتحدثون عن المدى القصير مع المراقبة الدقيقة لسياسات بنك الاحتياطي الفدرالي وبيانات الاقتصاد الأمريكي. وبالنسبة لسوق الأوراق المالية فإن السندات الحكومية هي الأوراق المالية ذات المخاطر الأقل، والأمريكية منها تتمتع بميزة الثقة الدولية بالاقتصاد الأمريكي وقدراته الائتمانية الكبيرة. وبالنسبة للأسهم فإن أسهم الشركات العريقة الراسخة التي يسمونها Blue Chip تتمتع بميزة الاستقرار حتى في حالات الركود. وعادةً ما تكون القيمة السوقية للسهم أعلى بكثير من القيمة الإسمية لذلك تكون نسبة العائد الموزعة قليلة لكنها معقولة في مقابل النسبة المنخفضة من مخاطرها.

 

أما سوق السلع الثمينة فيتربع الذهب على عرشها بدون منافس نظراً للمزايا الكبيرة التي يتمتع بها من ثقة ومصداقية وشغف من قبل المستثمرين إلى المزايا الطبيعية المتمثلة في الجمال والصلابة أو الليونة والوفرة وغيرها مع الاستقرار اللافت لقيمته الشرائية .وقد بينت دراسات المجلس العالمي للذهب إلى أن متوسط سعر الأونصة في عام 2008 و الأعوام الأربعة التي سبقته كان 606 دولار بينما في عام 1900 كان سعر الأونصة 20.67 دولار وبحساب القيمة المستقبلية لمبلغ 20.67 دولار بأسعار 2008 تبين أنها تعادل 503 دولار أي أن الذهب حافظ على قيمته الشرائية دون تغيير يذكر طوال القرن العشرين على الرغم من كل الحروب والاضطرابات والتغيرات.

بقي أن نتحدث عن حالة الاقتصاد وأثرها على تحديد ماهية الملاذ الآمن، والعوامل المؤثرة هنا تتلخص في ثلاث: السياسات الاقتصادية التي تتبعها الدول بشقيها المالية والنقدية ويدخل معها التشريعات والقوانين المتعلقة بالاستثمار والضرائب وغيرها. ثم مستوى الموارد الطبيعية من حيث الوفرة ومستوى الموارد البشرية من حيث التأهيل. وهذان العاملان يعبران عن قدرة الاقتصاد على خلق الثروة و أقصد هنا خلق الثروة لا خلق النقود فالفرق بينهما كبير وقد اتحدث عن ذلك بالتفصيل لاحقاً. والعامل الثالث يتمثل في مدى تطور البنية التحتية في كافة الجوانب. والاقتصاد الذي يمثل بيئة آمنة أو ملاذاً آمناً للاستثمار هو الذي يتمتع بسياسات وتشريعات اقتصادية صحيحة وقدرة جيدة على توظيف الموارد وخلق الثروة ثم بنية تحتية حديثة وشاملة.

 

والخلاصة أن مفهوم الملاذ الآمن هو مفهوم نسبي يعتمد على المستثمر نفسه وعلى طبيعة السوق الاستثماري ثم حالة الاقتصاد. أما من يريد تحديداً دقيقاً لنوع محددٍ من أنواع الاستثمار واعتباره ملاذاً آمناً في كل الظروف فكنت سأقول بكل ثقة إنه الذهب لولا ذلك الربط غير المبرر بينه وبين الدولار الذي أدى إلى تذبذب قيمة الذهب مقابل الدولار وكأن الدولار هو المرجع الآمن الثابت، و الحقيقة أن الدولار و كل العملات وكل الأصول يجب أن تتحدد قيمتها بمقارنتها بالذهب أي أن يكون الذهب هو المرجع الذي تقاس به قيمة الأشياء.

عن ترند كاست

نظام مبتكر لتحليل وتوقع أسعار الأسهم قام بتطويره د. عماد ملكاوي في إطار أبحاثه في مجال قياس وتوقع القيم المستقبلية للمتغيرات التي تتسم بالعشوائية مثل أسعار الأسهم وغيرها.يعتمد النظام الجديد على أسلوب رياضي إحصائي متطور أطلق عليه الباحث اسم تكامل الاحتمالات العشوائية، يستخدم فيه بيانات تاريخية لفترات طويلة نسبياً لتحديد وتحليل العوامل والظروف والمتغيرات التي تنعكس على سعر الإغلاق اليومي وعلى تحرك السعر أثناء التداول. مع تحليل وحساب السعر المتوقع للسهم تحت تأثير الأخبار و الأسباب الطارئة.